محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

208

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

وروى ابن مسعود عن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - أنّه قال وقد سألته أيّ الذنب أعظم ؟ قال : « أن تجعل للّه ندّا وهو خلقك » . قال ثمّ قلت : ثمّ أيّ ؟ قال : « أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك » . قال قلت : ثمّ أيّ ؟ قال : « أن ترمي حليلة جارك . » 472 الأسرار قال الذي عنده علم من الكتاب : إنّ اللّه تعالى عرّف العباد على لسان رسوله - صلّى اللّه عليه وآله - مناهج النظر في آيات مخلوقاته ، فابتدأهم بما هم عليه من الفطرة في أنفسهم ، وهو الاحتياج إلى خالق خلقهم وأنشأهم ؛ فلا يسوغ لكم الإنكار . ثمّ رقاهم إلى الفكرة في خلق السماوات والأرض ؛ إذ جعلت لهم الأرض فراشا والسماء بناء ؛ إذ كانوا يحتاجون إلى موضع يقلّهم وبناء يظلّهم . ثمّ رقاهم إلى النظر في إنزال الماء من السماء ليخرج به من الثمرات رزقا لهم ؛ إذ كانوا يحتاجون إلى غذاء يقوّيهم ؛ فعرفوا أنّهم محتاجون بالفطرة إلى خالق أنشأهم أوّلا ورازق أبقاهم ثانيا ، وهذا الاحتياج لهم فطرة يعلمونها ضرورة ؛ وقد أخبر الصادق عنهم بذلك ؛ والمحتاج يستدعي محتاجا إليه ، والمحتاج إليه يجب أن يكون غنيّا مطلقا غير محتاج إليه ؛ والغنيّ المطلق لا يكون إلّا واحدا أحدا صمدا فردا يستغنى به ولا يستغنى عنه . فقرّر التوحيد لهم ونفى الأنداد عنه ؛ إذ لو كان له مشكل يشاكله أو ضدّ يناضله لما كان غنيّا مطلقا . فقال احتجاجا عليهم : فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ بالفطرة أنّ الأمر كذلك ؛ وهكذا تعريف الأنبياء - عليهم السلام - يخبرون عن الفطرة ويحتجّون بالفطرة ، ويردّون الناس ( 88 ب ) الخارجين عن الفطرة إلى أصل الفطرة . فخاب وخسر من قال : إنّ اللّه تعالى ما بعثهم بالتوحيد ونفي الأنداد ؛ فقطع عنهم أخصّ أوصاف النبوّة ؛ إذ بعثوا لإثبات حقّ اللّه تعالى ، وحقّه تعالى التوحيد ونفي الأنداد ؛ ومن كان بإثبات حقّ موكّله أملى فهو بوكالته أولى . وسرّ آخر : أنّ كلّ من خالف طريق النبوّة في تقرير التوحيد وقع في إثبات الأنداد إمّا فعلا وإمّا قولا . أمّا الأنداد فعلا فكما أثبته العرب من شركاء الجنّ أو البنين والبنات ، وكما أثبته العجم من إثبات إلهين ، وكما أثبته الروم من ثالث ثلاثة ، وكما أثبته الهند من الأصنام ؛